ما من كود خطأ أشهر من كود 404، بل يمكن القول بأنّ شهرة هذا الكود تنافس شهرة مواقع فيسبوك ويوتيوب، وتتناسب هذه الشهرة طرديًا مع توسع وانشار الإنترنت، وتعدد صفحاته المستمر يومًا بعد يوم، وقد وصلت شهرة كود 404 إلى الحد الذي جعله جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الشعبية لمستخدمي الإنترنت حول العالم، فأصبح يستخدم في الدعابات والنكات، وتمت طباعته على القمصان والأكواب ومعدات المكاتب، بل قد
يصل البعض إلى حد تكبيره ووضعه في غرفة المعيشة كشكل من أشكال تزيين وديكور المنازل.

يعني خطأ 404 لمن لا يعرف وهم قليلون، عدم قدرة متصفح الإنترنت على إيجاد الصفحة المرادة لخطأ ما يتراوح بين حذفها بواسطة صاحبها، أو وجود خطأ كودي في برمجتها، أو أنّها غير وجودة من الأساس، وبغض النظر عن القصة وراء هذا الخطأ، والتي سنستعرضها فيما سيلي، يشير هذا الخطأ إلى شيء في غاية الأهمية والعمق، وهو ليس نهاية العالم كما يظن البعض، ولكن يشير هذا الخطأ إلى أنّ حياتنا التي أصبحت قائمةً على الإنترنت هي حياة مهددة بشكل أو بآخر، ففي النهاية لا يعدو الإنترنت كونه اختراعًا بشريًا، مثله كباقي الاختراعات البشرية البدائية أو الحديثة، قابل للتعرض للخطأ، وقد ينهار في لحظة ما لتصبح الحضارة الحديثة التي بنيناها في خلال الأعوام الماضية عبارةً عن خطأ 404 ضخم.

تشير الحقيقة والوقائع إلى أنّ بداية انتشار خطأ 404، ومعرفة الناس تزامن مع بداية الألفية الجديدة، وتشير القصة المروية حول أصل الخطأ أنّ رقم 404 كان يشير إلى رقم الغرفة التي احتوت على أول خادم عرفه البشر لخدمة الإنترنت، والواقع في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في سويسرا، وكانت هذه الغرفة هي أيضًا مقر المكتب الخاص بمبتكر الشبكة العنكبوتية العالمية المعروفة اختصارًا بـWWW، تيم بيرنيرز لي.

وتستكمل القصة لتقول بأنّ سر اختيار هذا الرقم يكمن في عدم قدرة تيم لي على إيجاد مكتبه من بين مئات المكاتب الموجودة في مقر سيرن. لذا، تم اختيار رقم 404 للإشارة إلى عدم إيجاد صفحة الإنترنت، ولكن هل هذه القصة المتداولة هي الحقيقة فعلًا؟

الإجابة عند روبيرت كايليو أحد الذين شاركوا تيم لي في برمجة بنية النص التشعبي “Hypertext Structure”، التي قادت في النهاية لابتكار الشبكة العنكبوتية أو الإنترنت، وعند سؤاله عن أصل اختيار رقم 404 للتدليل على خطأ عدم وجود صفحة الإنترنت، أكد كايليو لموقع Wired أنّ هذه القصة المتداولة ليس لها أي محل من الواقع والحقيقة.

“الجنس البشري يميل لتصديق الخرافات والقصص الخيالية أكثر من سعيه لإيجاد الحقيقة، خاصةً في حالة قلة توافر البيانات”، هكذا عقب كايليو على سر انتشار هذه القصة التي يتداولها الجميع حول أصل كود خطأ 404.

وقال كايليو أنّه لم يكن مبالٍ على الإطلاق بأهمية اختيار رقم بعينه لتحديد خطأ ما أيًا كان هذا الخطأ، وأكد أنّه لا يرى أية أهمية لهذا الخطأ تحديدًا عن غيره من الأخطاء سوى رغبة الناس في خلق إضافة للثقافات الشعبية متعلقة بالحداثة التي يقدمها الإنترنت، وعن القصة الحقيقية وراء اختيار هذا الرقم قال كايليو أنّ اختيار الأرقام للتعبير عن الأخطاء جاء في الأصل لرغبة المطورين الأولين للإنترنت في عدم إضاعة الوقت في كتابة جمل طويلة أو عبارات مركبة تفيد بوقوع خطأ ما؛ نظرًا لقلة الوقت المتوفر من ناحية، ولصعوبة الأمر مع أدوات البرمجة القديمة مع زيادة نسبة الأخطاء في هذه الفترة. لذا، وقع الاختيار على استخدام الأرقام كدلالات على الأخطاء.

أمّا عن اختيار رقم 404 تحديدًا فلم يكن لأي سبب سوى وقوع اختيار المطورين الأوائل لبدء ترقيم الأخطاء من الرقم 400، وجاء خطأ “الصفحة غير موجودة” في الترتيب الرابع من بين هذه الأخطاء. هكذا بكل بساطة؟ نعم، هكذا بكل بساطة، فليس للرقم علاقة بقريب أو بعيد
بأية أساطير أو مكاتب أو غرفة من غرف معامل منظمة سيرن.

ولكن لن تمنع هذه الحقيقة التي أصبحنا نعلمها جيدًا الآن انتشار ثقافة الرقم 404، ولن تحد من استغلاله الذي وصل إلى حد ابتكار العديد من المواقع لكيفيات عرضه، مثل: موقع بيكسار الذي اختار وضع صورة لفتاة صغيرة تبكي معلقًا “لا تبك … إنّه مجرد خطأ 404، وموقع بلومبيرج الذي اختار وضع صورة متحركة توضح أحد الأشخاص يقوم بصفع حاسوبه بقوة، وموقع تمبلر الذي أراد أن يستغل خطأ 404 في خلق حالة من التواصل باختيار عبارة “لا يوجد شيء هنا … إنّ ما تحاول الوصول إليه لا يوجد في هذا العنوان، إلّا أن كنت تبحث عن صفحة الخطأ ففي هذه الحالة نبارك لك على إيجادها”.

صف لنا شعورك عزيزي القارئ في كل مرة تفاجأ بها بخطأ 404 … وكم مرة تقابل فيها هذا الخطأ يوميًا؟